أبسط النماذج الكونية ومشكلة الثابت الكوني

أبسط النماذج الكونية ومشكلة الثابت الكوني

بقلم م./ معز جعفر كمال الدين

بكارلوس الهندسة مجال البترول في السودان

 

النموذج الكوني هو وصف كلي للشكل الحالي للكون ولتطور هذا الشكل عبر الزمان، ومعلوم أن الشكل الكلي للكون يرتبط  بمحتواه المادي بحسب معادلة آينشتاين التي تلخص النظرية النسبية العامة ولذلك فللاهتداء الى النموذج الكوني الصحيح يجب الاستعانة بنتائج استكشافات كونية بعيدة جدا في الفضاء والزمن بحيث تتجاوز كل السمات المحلية المرتبطة بمجموعتنا الشمسية أو المجرة التي ننتمي لها حتى نصل الى مدى يمكننا من افتراض أنه يمكننا إكمال بقية الصورة الكلية للكون استنادا الى الجزء الذي تمكنا من استكشافه مباشرة وهذا يحتم علينا استخدام فروض تبسيطية لا يمكن البرهنة عليها مثل افتراض أن خواص الكون متشابهة وهذا يمكن ان يشبّه بحالة محاولة سكان كوكب ما التعرف على الشكل العام لكوكبهم فبعد مسح مساحة كافية على سطح هذا الكوكب تختفي معها التفاصيل وتظهر فيها صفة عامة هي التحدب بمقدار معين يمكنهم تعميم هذا الملاحظة على البقية غير المستكشفة وبالتالي افتراض الشكل الكروي لهذا الكوكب الى أن يتمكنوا في وقت ما بعد ذلك من التأكد من صحة هذا التعميم أو عدم صحته مثلا عن طريق النظر الى كوكبهم من الفضاء البعيد.

ان النموذج الكوني السائد الآن المعروف بالنموذج القياسي ليس هو الوحيد الممكن ولا هو وحده الذي وجد حظا من الدراسة ولكنه النموذج الذي يعتقد أغلب علماء الكونيات اليوم أنه الأكثر انسجاما مع المشاهدات الكونية من بين النماذج التي أُقتُرحت حديثا، مع أن النموذج القياسي هذا نفسه يواجه الآن كثير من المشكلات مثل مشكلة الثابت الكوني ومشكلة الأفق ومشكلة المنفردات وغيرها. وتقدم باستمرار هذه الأيام كثيرا من المقترحات لحلول مثل هذه المشاكل الا أن أكثر هذه المقترحات تتضمن جوانب غير مرغوبة مثل إجراء التعديلات على نظريات راسخة مثل النسبية العامة أو استخدام أشياء ووقائع افتراضية مثل الطاقة المظلمة والتضخم والأكوان المتعددة وهذه الافتراضات ما لم تثبت بطريق آخر لا يمكن اعتبارها حلولا لأنها أشبه بنقل المشكلة من ساحة المعادلات الرياضية الي العالم الفيزيائي.

ومما لا شك فيه أن النموذج القياسي ليس هو النموذج الأبسط للكون لأنه يمكن تصور نماذج أخرى أبسط منه بكثير وأبسطها على الاطلاق هو النموذج الذي يكون فيه متصل المكان والزمن كرة رباعية الأبعاد يمثل سطحها الثلاثي الأبعاد متصل المكان ويكون نصف قطرها هو الزمن.

أبسط النماذج الكونية ومشكلة الثابت الكونيان هذا النموذج مع بساطته التي لا نظير لها له كثير من الميزات الجاذبة اذ يتشكل متصل المكان والزمن في الشكل الكروي المفضل ويظهر فيه تميز الزمن باتجاه خاص من المركز الي الخارج وهذا ينتج منه أن تمدد الكون يكون أمرا تلقائيا تابعا لمرور الزمن لأن مرور الزمن يعني زيادة نصف قطر السطح الكروي الثلاثي الأبعاد الذي يمثل المكان. ان هذا النموذج الأبسط ليس بالطبع ببعيد عن خيال الفيزيائيين الا أنه يبدو أن الباحثين في النماذج الكونية  قد رفضوه لسببين: أولهما أنهم رأوا أنه يتعارض مع التطبيق الكوني لمعادلة النسبية العامة لأنه بحسب هذا النموذج فان انحناء الكون يعتمد فقط على عمر الكون أي نصف قطر الكرة الرباعية الأبعاد ولا يتيح هذا النموذج أي تأثر لهذا الانحناء بالكثافة المتوسطة للمادة في الكون كما تتطلب معادلة النسبية العامة والسبب الآخر هو أن في هذا النموذج تكون الزيادة في المسافة بين أي نقطتين في المكان تتناسب طرديا مع زيادة عمر الكون وهذا  يقتضي أن يكون تمدد الكون منتظما  وليس متسارعا وهو ما أُعتُبِر تعارضا مع المشاهدات الكونية  للإزاحة الحمراء التي فُسِرت بالتمدد المتسارع للكون.

غير أننا يجب أن لا نستسلم لهاتين العقبتين قبل النظر في احتمالات أخرى اذ يمكن تجاوزهما ببساطة فبالنسبة لاعتماد الانحناء الكلي للكون على متوسط كثافة مادته فإنه ليس من النتائج الضرورية لمعادلة اينشتاين لأننا يمكن أن نعتبر أن متوسط كثافة المادة جزءاً من الثابت الكوني وهذا سيؤدي الى استقلال الانحناء الكلي للكون عن الكثافة المتوسطة للمادة لأنها ستدخل في جانبي المعادلة أولاً ضمن الثابت الكوني وثانيا في المقدار المادي المعروف بممتد الطاقة والإجهاد فلا يكون لها أي أثر وهذا سيحل كذلك كل المشاكل الناتجة عن الارتباط بين الانحناء الكلي للكون ومتوسط كثافة مادته مثل مشكلة الثابت الكوني ولن يؤثر علي التطبيق الناجح المحلي لمعادلات آينشتاين . أما بالنسبة للعقبة الثانية فمن المهم أن نعرف أن تسارع التمدد الكوني ليس هو التفسير الوحيد الممكن لبيانات تجارب قياسات الإزاحة الحمراء لأن النموذج الكروي البسيط يتيح لنا تفسيرا آخر لهذه البيانات وذلك لأنه من ناحية رياضية بحتة فإن المسارات الصغرى (الجيوديسية) المرتبطة بهذا الشكل من متصل المكان والزمن هي في الواقع منحنيات حلزونية تقترب من الخطوط المستقيمة كلما ابتعدنا عن المركز وذلك سيعرِّض الاشارات الضوئية التي تسلك هذه المسارات الي تراجع تردداتها بنفس المقدار الذي تشير اليه المشاهدات التي فُسِّرت على أنها من آثار تسارع التمدد وليس هذا فحسب فكذلك فان مسارات الضوء في هذا النموذج تقدم حلا لمشكلة الأفق المرتبطة بالنموذج القياسي وهي وصول أشعة الينا متطابقة الخواص الحرارية من مصادر لم يوجد بينها أي اتصال يتيح لها التوازن الحراري بينها لتبرير هذا التطابق،

أبسط النماذج الكونية ومشكلة الثابت الكوني

وذلك لأن المسارات الحلزونية للضوء المرتبطة بنموذجنا المبسط تقتضي أن الأشعة المنبعثة من مصدر في كل الاتجاهات   سترتد اليه من جميع الاتجاهات بعد فترة طويلة  بعد أن تكمل دورة كاملة اثناء حركتها المركبة من دوران حول المركز وابتعاد عنه وهذا يقترح تفسيرا بسيطا لظاهرة تطابق خواص هذه الأشعة الكونية بأنها يمكن أن تكون  صدرت من نفس مجرتنا في زمن ما في الماضي ثم قادها المسار الحلزوني الي التقاطع مع مسار المجرة المنطبق على الزمن ومما يزيد هذا التفسير إثارة أنه يقدم حلا كذلك لمشكلة حديثة تتعلق أيضاً بالأشعة الكونية فقد وجد أن بعض مكونات هذه الأشعة تنبعث منها الاشعة بالضبط في محاذاة المستوى الذي تدور فيه كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس ومن المستبعد جدا بحسابات نظرية الاحتمالات أن يتم هذا التوافق صدفةً و بما أن مصادر الأشعة الكونية حسب النموذج القياسي تعود الي أماكن مختلفة وفترات قديمة جدا لا يمكن أن يكون لها أي ارتباط باي اتجاه مفضل  يخص مجموعتنا الشمسية او حتى المجرة فإن هذا يبدوا غريبا ًجداً ويعتبر مهدداً قويا لأهم قواعد علم الكونيات الحديث وهو تعميم قاعدة كوبرنيكوس التي تنص علي أنه لا الأرض ولا مجموعتنا الشمسية ولا المجرة ولا أي جزء من الكون يشغل حيزا خاصا ز ولكن في النموذج الكروي المبسط و بحسب تفسيرنا السابق لمصادر الأشعة الكونية فيمكن اعتبار أن هذه السمات من الأشعة الكونية التي تبدوا وكأنها تحاذي مستوى النظام الشمسي ماهي إلا الأشعة نفسها المنبعثة من الشمس في زمن سابق والتي قادها المسار الحلزوني للسقوط مرة أخرى على الشمس فلذلك ستظهر لأي راصد على الأرض أو قريبا منها موازيةً للخط الواصل بين الأرض والشمس وبالتالي محاذية لمستوى النظام الشمسي.

تعليقات

تعليقات