أمواج الجاذبية بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

21

أمواج الجاذبية

 بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

 

 

م/ محمود بكر أبو خميس معيد الهندسة الزراعية – جامعة دمياط

م/ محمود بكر أبو خميس
معيد الهندسة الزراعية – جامعة دمياط

بقلم م/ محمود بكر أبو خميس … لقد شهد الحادى عشر من فبراير لعام 2016 م حدثا جليل هزَ الأوساط العلمية قاطبة بإعلان مؤسسة العلوم الوطنية فى واشنطن وجامعة موسكو اكتشاف (موجة الجاذبية) الناتجة من اندماج ثقبين أسودين للمرة الأولى على الإطلاق والذى وقع على بعد 400 مليون فرسخ نجمى (1.3 مليار سنة ضوئية) من الأرض والذى يشير بجلاء إلى صحة ما ذهب إليه العالم الكبير أينشتاين منذ أكثر من 100 عام فى نظريته النسبية العامة عام 1915.

واستغرق الفريق البحثى شهرا كاملا فى جمع البيانات ثم تحليلها تحليلا شاملا وعمل محاكاة مطولة بالاستعانة بالحواسيب الفائقة ليحدث تطابق بينها وبين تنبؤات النظرية النسبية العامة ليخرج (ديفيد ريتز) المدير التنفيذى لمختبر ليجوLIGO  قائلا

(سيداتى سادتى لأول مرة على الأطلاق تمكنا من رصد أمواج الجاذبية ما أثبته مرصد ليجو هو أننا تمكنا من التحدث للكون باكتشافنا لأمواج الجاذبية .. إنه أمر مذهل)

أمواج الجاذبية بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

طبيعة أمواج الجاذبية

أمواج الجاذبية شأنها شأن سائر الموجات (موجات الماء – موجات الحبل باهتزازه) وكانت هذه الأمواج أحد النبوءات الخاصة بالعالم أينشتاين الذى وضع تصور للكون من وجهة نظره قائلا أن الفضاء الكونى هو نسيج من الزمان والمكان يحدث به تحدب بفعل الوزن، وكلما زاد وزن الجرم السماوى كلما زاد تحدب النسيج وبالتالى يحدث تحرك دورانى للأجرام الأقل وزنا حول هذا الجرم الأكبر كتلة وهذا ما يفسر عدم جذب الأرض للقمر أو جذب الشمس عظيمة الكتلة لمجموعة كواكب المنظومة الشمسية .

 

الجاذبية عند نيوتن

افترض العالم نيوتن أن التجاذب بين الأجسام يكون تابعا لكتلة الأجسام وصاغ قانون التجاذب بين الكتل ووضح مدى تأثر جسم بحركة جسم آخر، وهذا القانون لا يمكن تجاهله فهو يعمل بجلاء فى محيطنا الأرضى ولكن لا يمكن تطبيقه على محيط الكون الفسيح إلا بوجود وسط هذا الوسط الذى افترضه أينشتاين يتمثل فى (أمواج الجاذبية)

أمواج الجاذبية بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

 

 

الجاذبية عند أينشتاين

افترض العالم أينشتاين أن تأثير الأجسام ذوات الكتل المختلفة يتم من خلال وسط ينتقل من خلاله التأثير وهذا الوسط كما أسلفنا هو أمواج الجاذبية، وأفترض أينشتاين أن هذا الوسط هو نسيج من الزمان والمكان وسماه (الزمكان) مع العلم أن التغير فى المسافة فى نسيج الزمكان تعادل 0.001 من كتلة البروتون وهذا ما استطاع الفريق البحثى المكون من 1000 عالم بمرصد ليجو رصده بعد جهود مضنية من العلماء امتدت لقرابة المائة عام.

استطاع الباحثون استنباط أن كتلة أحد الثقبين الأسودين تبلغ 36 ضعف كتلة الشمس اما الآخر فتبلغ كتلته نحو 29 كتلة نجمية، وقد تسبب دوران الجسمين حول بعضهما فى إنحناء نسيج الزمان والمكان من حولهما بنمط مموج لتنتقل تلك التموجات عبر الكون على هيئة موجات جاذبية لمسافة تقدر بحوالى 1.3 مليار سنة ضوئية متسببة فى تمدد نسيج المكان وضغطه أثناء تحركها.

أمواج الجاذبية بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

 

مرصد ليجو العملاق وتحقيق الحلم

هذا المرصد العملاق هو بحق تحفة معمارية قلما تجد لها نظيرا على سطح الكوكب الأزرق فهو مكون من ذراعين متعامدين من أنابيب الرصد الأسطوانية، طول كلا منهما 4 كم، أحدهما تمتد حتى ولاية (واشنطن) والأخرى تمتد حتى ولاية (لويزيانا) ويحتوى هذا المرصد على أدق جهاز ليزرى بالكرة الأرضية مع ضرورة تفريغ أنابيبه من الهواء حتى تسهل عملية الرصد الأمر الذى يتطلب ضغط هواء يعادل 55 مليون طن فى مدة زمنية تعادل أربعين يوما لطرد هذه الكمية الهائلة من الهواء المقدرة بحوالى 10000 م3 تكفى لملىء 2 مليون بالون، واستمر عمل المرصد منذ عام 2002م حتى عام 2010 م  وأخفق طوال هذه المدة من رصد أى إشارة كونية توحى بصحة ما أشار إليه أينشتاين، ومنذ عام 2010 م تم العمل على تطوير المرصد وصقل مراياه وتحديث أجهزة الليزر به بمصروفات قدرت بحوالى 600 مليون دولار ليتحقق الحلم فى 11 فبراير 2016 م.

أمواج الجاذبية بين شكوك العلماء ونبوءة أينشتاين وآفاق المستقبل

يقول العالم (John Wheeler) فى وصفه للنظرية النسبية العامة لأينشتاين أن

(المادة تخبر الزمكان كيف ينحنى والزمكان المنحنى يخبر المادة كيف تتحرك)

 

كتابة الورقة البحثية لفريق العمل

جاءت مرحلة كتابة الورقة البحثية التى تطلبت حسب قول (بيتر فريتشيل) كبير علماء مرصد ليجو فى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أخذ موافقة الألف باحث على كل التفاصيل لينشر البحث فى دورية Physical Review Letters.

 

 

يقول ستيفن هوكينج كبير الفزيائيين المعاصرين

(إن هذه الأكتشافات المذهلة تثبت صحة الكثير من الأعمال النظرية بما فى ذلك صحة النسبية العامة لأينشتاين التى تنبأت بوجود موجات الجاذبية).

إن هذه الأكتشافات المذهلة لتفتح أعيننا على عصر جديد فى مجال الفيزياء والرصد الفلكى ليصبح الأداة الجديدة لمراقبة السماء ، فما تزال هناك أجزاء كبيرة من الكون خفية عن مداركنا وتصوراتنا، فهل تفتح أمواج الجاذبية أفقا جديدة لرصد أجسام فضائية وأكوان موازية؟!

تعليقات

تعليقات