الجاذبية الكمية Quantum Gravity

الجاذبية الكمية Quantum Gravity

بقلم: أ./ محمد ماهر عبد الرحيم محمد

بكالوريوس العلوم (مرتبة الشرف) في الفيزياء 2014- جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا

أ. محمد ماهر عبد الرحيم

أ. محمد ماهر عبد الرحيم

اذا أردنا أن نأخذ فكرة سريعة عن الجاذبية الكمية من ناحية شبه تقنية مبسطة يجب ان نقوم اولا بتحليل مفهومي لهذا المصطلح “الجاذبية الكمية”، فالشق الأول “الجاذبية” المقصود به النظرية النسبية العامة والتي تعمل على وصف الجاذبية كتأثير للتشوهات التى تحدث بفعل المادة (الطاقة) في نسيج الزمكان، عليه فان الجاذبية تظهر في هذه النظرية كخاصية لهندسة الفضاء والوقت (المكان والزمان)، حيث يتم وصف كل شيء بلغة الهندسة التفاضلية “الهندسة الريمانية” وتكتب الطبيعة بلغة الكميات الممتدة “Tensors” كما يقال، بصورة عامة تختصر كل الصورة في معادلة اينشتاين للمجال:

Quantum-Gravity

نجد الطرف الأيمن من المعادلة Guv متغير هندسي متعلق بشكل نسيج الزمكان، اي يصف مقدار الانحناء، بينما الجانب الأيسر من المعادلة يتضمن متغيرات فيزيائية متمثلا في ممتد “الطاقة – الاندفاع”  Tuv والذي يمثل كثافة المادة (الطاقة) المتمركز في الفضاء بالاضافة الى ثوابت طبيعية مثل ثابت الجذب العام وسرعة الضوء والثابت الرياضة “باي”. باستخدام هذه المعادلة (او المعادلات) يمكن التنبؤ بمسار الكواكب وايضا التنبؤ بوجود الثقوب السوداء وبناء نماذج مختلفة للكون.

الشق الثاني “الكمية” يتعلق باخضاع الشق الاول لكي يتبع النظرية الكمية التى تصف العالم في (أصغر) ادنى مستوياته، حيث كل شيء يتم وصفه بلغة الاحتمالات، ففي العالم الكمومي كل ما علينا فعله هو كتابة الدالة الموجية (دالة الحالة) والتي تحوي كل المعلومات المتعلقة بالنظام الفيزيائي الذي يتم دراسته، وبمعرفة حالة النظام عند لحظة معينة (معرفة احتمالية متذبذبة) يمكن بعد ذلك وصف سلوك النظام الى حد ما وتطوره الزمني (على حسب طبيعة النظام المراد دراسته) باستخدام معادلة شرودنجر.
الأن يمكن تفسير معنى الجاذبية الكمية بأنها مجموعة من النظريات الفيزيائية والاساليب الرياضية التى تحاول ان تخضع النسبية العامة لمفاهيم ميكانيكا الكم، بمعنى محاولة فهم سلوك الجاذبية في مستويات صغيرة من الزمكان (طول بلانك). معظم هذه المحاولات (النظريات المقترحة) مبنية على فرضية ان هناك حد ادنى (كمة) للزمكان في المستويات الصغروية (مستوى طول بلانك)، وهذه الفرضية تتعارض في نفس الوقت مع اهم شروط ونتائج النسبية العامة وهي ان الزمكان عبارة عن متصل فيزيائي. والتعارض الثاني والخطير يتمثل في السلوك المتهيج (الفوضوي والمتذبذب) لنسيج الزمكان عند المسافات الصغروية حتى في حالة غياب المادة (الطاقة) من وجهة النظر الكمومية، في حين ان الزمكان يصبح مسطح (إقليدي) ومستقر في حالة غياب المادة من وجهة نظر النسبية العامة. إذا الصعوبات في وجه هذه النظريات أكبر من كونها صعوبات رياضية، مع التوضيح والاشارة الى ان المشاكل الرياضية ايضا موجودة ضمن هذه المحاولات. واهم وأشهر هذه المشاكل هي موضوع انتظام الحسابات بمعنى غياب الكميات اللانهائية (الشذوذيات) داخل البناء الرياضي وتعدد الحلول. تجدر الأشارة هنا بأن محاولة ايجاد نظرية كمومية للجاذبية لا دخل له بتوحيد قوانين الطبيعة او ما يعرف في أدبيات الفيزياء بنظرية كل شي.

قد يثور سؤال لماذا نحتاج اصلا لهذه النظرية؟ لماذا لا ندع كل شق يعمل في مجاله؟ فالنسبية العامة نظرية ناجحة جدا على المقياس الكبير واثمرت في بلورة وظهور العديد من المجالات العلمية كعلم الكونيات وعلم الفلك الرصدوي متسلحا الان بأقوى وأفضل وسيلة رصدية عرفها الانسان على الإطلاق الا وهي موجات الجاذبية والتي تمثل أجمل تنبؤات النسبية العامة منذ قرن من الزمان. وفي الجانب الاخر منحتنا النظرية الكمومية فهم أعمق لعالم الجسيمات الاولية ومجالات متنوعة كالفيزياء النووية، الفيزياء الذرية والجزيئية، فيزياء اشباه الموصلات، الليزر، الإلكترونيات، المادة المكثفة واخيرا وليس اخرا أعظم انجازاتها التكنلوجية متمثلة في علم المعلومات الكمومية (الحاسوب الكمي). من جهة نظر شخصية الحوجة الى نظرية كمية للجاذبية نبعت في المقام الاول من النزعة الى الانتصار لصالح المقولة التالية: العلم (الفيزياء بالتحديد) بناء مترابط الاجزاء لا يمكن ان يقع التعارض بين اجزائه- واوضحا في بداية المقال اهم نقاط التعارض بين النظريتين- ولرفع امثال هذه التناقضات كانت الحاجة الى صياغة مثل هذه النظرية. و في المقام التاني نبعت الحاجة اليها من اجل البرهنة على ان التماثل سمة مميزة للطبيعة. يظهر هذه التماثل في تشابه الصياغات بين مختلف مجالات الفيزياء والذي سمح بجمع بعض النظريات مع بعضها تماما كما شهدنا ولادة النظرية الكهرومغناطيسية بعد توحيد الكهربية والمغناطيسية، وعليه كانت النسبية الخاصة من نتاج تطبيق نسبية جاليليو على قوانين الكهرومغناطيسية، وشهدنا النظرية الكهروضعيفة بعد توحيد القوة النووية الضعيفة والتأثيرات الكهربية. من ناحية تقنية فان الجاذبية تهمل تماما في عالم الجسيمات الاولية حيث يكون تأثيرها ضعيفا بوصفها أضعف المجالات مقارنة مع القوى النووية والكهرومغناطيسية، في حين ان تأثيراتها غير مهملة عند المسافات الصغيرة من رتبة طول بلانك.

اشهر المحاولات المقترحة لإيجاد نسخة كمية للجاذبية هي: الحلقات الكمومية (Loop Quantum Gravity) والتي تعرف ايضا بـ (Loop space representation)، الأوتار الفائقة (Strings Theories ) ، الجاذبية الفائقة (Supergravity) ، الكون في قطرة هيليوم (Condensed-matter view: the universe in a helium droplet  ) من وجهة نظر المادة المكثفة، التحريك الهندسي الكمومي (quantum geometrodynamics.) او ما يعرف بـ (Quantum topology) والقائمة تطول. ربما نفرد في مقال منفصل الحديث عن الـ (Loop Quantum Gravity) بوصفها الاشهر والأكثر تماسكا من الناحية المفاهيمية (الجمالية ايضا!)

السؤال المهم قبل ختام هذا المقال، ماهي هي الفوائد العملية والنظرية التي سنحصل عليها إذا ما نجحنا في الوصول الى صياغة تامة لنظرية كمية للجاذبية؟! ربما كانت الاجابة كالتالي: من الناحية النظرية سوف يكون لدينا صورة اوضح وأعمق عن الكون وبعض الظواهر المحيرة كالمادة المظلمة وظواهر الانتروبيا والثقوب السوداء. من الناحية العملية التطبيقية تعديل بعض الحسابات او قيم الثوابت (بدقة اكبر) المتعلقة ببعض المشاهدات، ومن يدري ربما ادى ذلك الى اكتشاف ظواهر جديد سوف تتنبأ بها المعادلات الجديدة.

تعليقات

تعليقات