اينشتاين والفيزياء .. الرحلة التي غيرت نظرتنا للعالم

حاتم حسني ابوشباك
فيزياء – جامعة الازهر – غزة

اينشتاين والعبقرية وجهان لعملة واحدة، لا يختلف اثنان على أن البرت اينشتاين هو أحد أهم العقول التي مرت في تاريخ العلم، إذا لم يكن الأهم، فعندما يسمع أحدنا هذا الاسم يتذكر العبقرية والجنون، مما كان يتمتع به هذا الرجل من عبقرية وتلك التصرفات المجنونة، اينشتاين ذلك الشاب الذي جاء في القرن الماضي الذي قيل في بدايته أنه تم الوصول إلى كافة العلوم في الفيزياء وأن الفيزياء انتهت، ولكن تلك كانت إلا البداية لولادة فيزياء القرن العشرين أو الفيزياء الحديثة والتي كان من روادها البرت اينشتاين الذي ساهم في الكثير من النظريات العلمية، وأهمها النسبية الخاصة والعامة، لذلك دعونا ننتقل في حياة اينشتاين العلمية من البداية حتى النهاية ونرى ما قدمه البرت العبقري.

الشاب اينشتاين الشغوف في الفيزياء

في البداية سأتحدث قليلاً عن فترة الشباب وشغف اينشتاين في الفيزياء، بعد انتقال عائلة اينشتاين إلى مدينة ميلان الإيطالية لحق بهم البرت، ثم انتقل للدراسة في سويسرا وتحديداً في جامعة زيورخ التي قضى بها حياته الجامعية التي كانت مليئة بالتحديات والمشاكل (خصوصاً مع أساتذته) فتارة يطرد وتارة ينعت بالغبي وتارة بالعبقري، وهناك أيضاً تعرف على شريكة حياته مليفيا ماريتش التي ساعدته كثيراً في نظرياته العلمية، وبعد الجامعة لم يجد عملاً في البداية، حتى وجد وظيفة مملة في مكتب براءات الاختراعات ومن هنا بدأت الرحلة مع الفيزياء لأنه وجد وقتاً ليفكر في الفيزياء.

1905 العام الذي تغيرت فيه الفيزياء للأبد

ما تم نشره في هذا العام كان حصيلة 10 سنوات من البحث والاستنتاج، ففي هذا العام قام اينشتاين بنشر أربع أوراق بحثية غيرت مجرى الفيزياء للأبد، وهذه الأوراق هي النسبية الخاصة والحركة البراونية والتأثير الكهروضوئي والعلاقة بين المادة والطاقة.

قام اينشتاين بتفسير الظاهرة البراونية، أو كما تعرف بحركة الجسيمات العشوائية في السوائل، وبذلك قام اينشتاين بإثبات وجود الجزيئات بالدليل القاطع.

أما عن العلاقة بين المادة والطاقة تأتي هنا المعادلة الأشهر في الفيزياء الطاقة تساوي الكتلة ضرب مربع سرعة الضوء ط=ك*س^2 ، حيث أن كل جسم يمتلك طاقة ساكنة (كامنة) نستطيع إخراجها بوسيلة ما، ومن هنا تم تحويل الكتلة إلى طاقة هائلة، ومثال ذلك الطاقة النووية التي تنتج من تفكك نواة عنصر اليورانيوم المشع، والتي كانت لها تطبيقات عظيمة ومخيفة في نفس الوقت، بحيث ظهرت المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة وبالطبع القنابل النووية.

إذا أعدنا النظر في هذه المعادلة الصغيرة وما نتج عنها من تطبيقات بإيجابيتها وسلبيتها، فإننا نرى كم كان عبقرياً من كان خلفها.

اينشتاين وجاليلو .. ونشوء مبدأ النسبية

هناك مقولة جميلة لنيوتن “وقفت على أكتاف من سبقوني من العلماء”، وهنا تم تجسيدها من خلال اينشتاين حيث بداية النسبية كانت من مبدأ النسبية الخاص بجاليلو، والذي أخده اينشتاين وقام بالتطوير عليها لتظهر النسبية الخاصة في عام 1905،  والتي عالجت أيضاً عدم التوافق بين نظرية ماكسويل في الكهرومغناطيسية وميكانيكا نيوتن، حيث أن اينشتاين تعامل مع الأجسام القريبة من سرعة الضوء، استخدم في النظرية التحويلات الثلاثة الشهيرة الخاصة بالعالم لورنتز، ومن مضمون النظرية أن سرعة الضوء ثابتة في الفراغ وهي أقصى سرعة موجودة في الكون، وأيضاً الزمان والمكان ليسا ثابتين بل متغيرين (إنه الجنون بحد ذاته).

الظاهرة الكهروضوئية .. اينشتاين وبلانك

ربما يكون اينشتاين غريباً في تصرفاته المجنونة، حتى الجوائز التي نالها غاية في الغرابة، أيعقل أن لا يحصل اينشتاين على جائزة نوبل على النظرية النسبية!! بينما حصل على نوبل على بحثه في الظاهرة الكهروضوئية(ليس تقليلاً من شأن البحث لكن ما حصل كان غريباً).

ماكس بلانك عالم الفيزياء الألماني مؤسس نظرية الكم، حيث في عام 1900 قام بنشر نظرية عن الطاقة والذي اعتبر فيها أن الطاقة التي تنبعث من الذرات تكون على شكل كمات من الطاقة (أي ما يسمى بالكم) وبذلك تعتمد الطاقة على التردد والطول الموجي، ووضع الصيغة الرياضية الطاقة تساوي ثابت بلانك ضرب التردد (ط=ه*د)، ومن هنا كانت بداية ميكانيكا الكم، لكن بلانك كان يشك في صحة معادلته أو لم يعرف ما فائدتها وقام بإهمالها، وبالعودة إلى اينشتاين استطاع استخدام معادلة بلانك والنظرية الكمية في تفسير أكثر الظواهر التي حيرت العلماء في ذلك الوقت وهي الظاهرة الكهروضوئية، حتى بلانك استغرب من أن معادلته لها فائدة، والظاهرة الكهروضوئية هي انبعاث الكترونات بعد تسليط ضوء على فلز، فالفيزياء الكلاسيكية فشلت في تفسيرها عن طريق النظرية الموجية، فقدم اينشتاين ورقته البحثية التي فسرت الظاهرة واعتبر اينشتاين أن الضوء هو أيضاً عبارة عن كمات من الطاقة تسمى فوتونات، وبذلك مهد اينشتاين الطريق لميكانيكا الكم لتفسير الكثير من الظواهر بعد ذلك.

 

النسبية العامة .. النظرية التي غيرت نظرتنا للكون

عاد اينشتاين للضرب من جديد، وهذه المرة بالنسبية العامة وهي السبب الرئيس في شهرة اينشتاين إلى اليوم، لك أن تتخيل بأن نيوتن وتفسيره للجاذبية هي حالة خاصة من نظرية اينشتاين (أي أن النسبية العامة جاءت لتعميم النسبية الخاصة ونظرية نيوتن)، فقد استطاع نيوتن أن يفسر كيف تؤثر الجاذبية على الأجسام، ولكنه لم يستطع إجابة السؤال الذي حير الكثير من العلماء ما هي الجاذبية؟

قام اينشتاين بطرح نظريته التي تجيب عن هذا السؤال الذي حير العلماء على مدار 3 قرون، بحيث اعبتر أن أن الكون عبارة عن نسيج من الزمان والمكان (الزمكان)، وهو قابل للانحناء وما ينتج من الانحناء هو  عبارة عن الجاذبية، وبهذا المفهوم تم تفسير الثقوب السوداء ومدارات الكواكب حول الشمس والكثير من الظواهر الفلكية.

ميليكان وإدينغتون .. بين محاولة إثبات الصواب أو الخطأ

أن يقدر عملك على اللاشيء وتحصل على جائزة نوبل يعد شيئاً من تقدير العلم والعلماء، نعم لقد حصل هذا في القرن الماضي حيث قضى ميليكان 10 أعوام من حياته وهو يحاول إثبات خطأ النظرية النسبية (ميليكان من مناصرين الفيزياء الكلاسيكية) وفي كل مرة تثبت أن اينشتاين وبلانك على صواب لمدة عشرة أعوام، وتم تقدير جهوده بحيث قام بإثبات صحة النظرية النسبية بدلاً من خطأها.

وفي الناحية الأخرى قام إدينغتون بإثبات صحة النظرية النسبية العامة في عام 1919 (رغم العداوة التي كانت بين المانيا وإنجلترا في ذلك الوقت)، بحيث قام برحلة استكشافية إلى جنوب أفريقيا لرصد الشمس وقت الكسوف، لدراسة تأثير الشمس على انحناء الضوء القادم من النجوم البعيدة كما فسرها اينشتاين.

وأحد استنتاجات النسبية العامة هي أمواج الجاذبية (الأمواج الثقالية)  التي تم رصدها بعد 100 عام من ظهور النسبية العامة، وهي إضطرابات تنتشر في الكون عبر نسيج الزمكان نتيجة انفجار نجم أو اندماج نجمين أو تحول نجم إلى ثقب أسود والعديد من الظواهر، وتنتقل هذه الأمواج بسرعة الضوء، وبهذا يكون اينشتاين قد انتصر مرة أخرى، وتم إثبات النسبية العامة مرة أخرى وإلى الأبد.

ما بعد الفوز بنوبل عام 1921

لم يكتفي اينشتاين بكل تلك الإنجازات والاكتشافات، بل عاد للضرب من جديد، بوضعه مبدأ عمل الليزر الذي نعرفه اليوم، أي أن الليزر في الأساس يعتمد على تضخيم الضوء، وبذلك يكون عبارة عن أمواج ذات تردد واحد وطول موجي واحد فيخرج على شكل نبضة ذات طاقة عالية.

وفي النهاية كرس اينشتاين ما تبقي من حياته لإيجاد النظرية التي تجمع كل قوى الكون والقوانين الفيزيائية في قانون واحد أو نظرية واحدة، والتي أطلق عليها نظرية المجال الموحد أو كما تعرف اليوم نظرية الأوتار الفائقة، فهل ستسطيع نظرية الأوتار الفائقة أن تحقق حلم اينشتاين الذي عمل عليه في أخر حياته.

وفي النهاية .. اينشتاين رجل القرن العشرين

في عام 1999 قام مجلة التايم بإعطاء لقب رجل القرن العشرين إلى العالم البرت اينشتاين الذي استحقها بكل جدارة، لما ساهم في تغيير العلم والفيزياء بالأخص، لقد استطاع اينشتاين أن ينتج الكثير من النظريات التي ما زلنا نرى نتائجها حتى اليوم، ومن هنا تأتي مقولته الشهيرة كن إنساناً لا يبحث عن النجاح فقط بل عن القيمة، نعم استطيع القول أنه أعظم عقل مر على تاريخ العلم.

 

حاتم حسني ابوشباك تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

https://www.facebook.com/hatemthaerr

تعليقات

تعليقات