تأثيرات الاشعة تحت الحمراء على أجزاء العين المختلفة

لماذا النظر إلى الشمس اثناء كسوفها يعتبر خطر على العين؟

تأثيرات الاشعة تحت الحمراء على أجزاء العين المختلفة

في أحيان نادرة يحدث كسوف كلي للشمس وهنا يستطيع الانسان التحديق في العين لان الضوء المرئي الساطع قد حجب مع ان اشعتها تحت الحمراء وتأثيرها الحراري لازال يصل إلى العين والتحديق المباشر في هذه الحالة يسبب خطر على العديد من أجزاء العين. في هذه المقالة سوف نناقش كيف يؤثر التأثير الحراري للشمس من خلال الاشعة تحت الحمراء والتي تعتبر خطر على الاغشية البصرية ocular، كما سوف نصف اليات اعتام لعين cataractogenesis الناتجة عن التعرض للاشعاع تحت الأحمر مع التركيز على تأثر كل عضو من أعضاء العين بالأشعة تحت الحمراء..

الاشعة تحت الحمراء Infrared والتي تكتب اختصارا IR تقع تحت اللون الأحمر المرئي من الطيف الكهرومغناطيسي في مدى الطول الموجي من 780 إلى 10000 نانومتر (780-10000nm) كما هو موضح في الشكل 1. هذا المدى الكبير من طيف الاشعة تحت الحمراء يقسم إلى ثلاثة مناطق هي على النحو التالي:

المنطقة IR-A أو الاشعة تحت الحمراء القريبة near infrared وتقع في مدى الطول الموجي من 780 إلى 1400 نانومتر.

المنطقة IR-B أو الاشعة تحت الحمراء البعيدة far infrared وتقع في مدى الطول الموجي من 1400 إلى 3000 نانومتر.

المنطقة IR-C وهي الجزء المتبقي من طيف الاشعة تحت الحمراء وتقع في مدى الطول الموجي من 3000 إلى 10000 نانومتر. هذه الحزمة في الواقع لا تصل إلى سطح الأرض لانها تمتص بواسطة الغلاف الجوي، لكن مصادر الاشعة الغير طبيعية في منطقة IR-C تعتبر خطرة جدا.

الشكل 1: الطيف الكهرومغناطيسي موضحا علاقة الاشعة تحت الحمراء والاشعة فوق البنفسجية مع الضوء المرئي.

بينما يستمتع معظمنا بالتأثير الحراري للاشعة تحت الحمراء القادمة من الشمس، كما ان هناك العديد من المصادر الصناعية التي تطلق اشعة تحت الحمراء مثل الافران التي تعمل عند درجات حرارة عالية مثل تلك الموجودة في مصانع الزجاج والحديد الصلب. كما ان مصابيح الضوئية Arc lamps والسخانات الكهربية يصدر عنها اشعة تحت الحمراء، وكذلك أنواع كثير من الليزر مثل ليزر النيودينيوم ياج (neodymium-YAG laser) والذي يقع شعاعه في المدى IR-A وليزر ثاني أكسيد الكربون (CO2 laser) والذي يقع شعاعه في المدى IR-C.

عندما يمتص الاشعاع بواسطة اغشية الانسان فانها تسبب تغيرات في المادة الخلوية. بعض الاشعة تحت الحمراء يمتص بواسطة كل جزء من التركيب البصري للعين. بصفة عامة تمتص القرنية (cornea) كل الاطوال الموجية الأعلى من 3000 نانومتر أي في المنطقة IR-C ومعظم الاشعة التي يكون طولها الموجي اعلى من 1400 نانومتر وتمتص أيضا معظم الاشعة التي يكون طولها الموجي اعلى من 1400 نانومتر أي في المنطقة IR-A. عدسة العين تمتص معظم الاشعة التي يقع طولها الموجي في المدى من 900 إلى 1400 نانومتر (IR-A) وتمتص شبكية العين (retina) معظم الاشعة تحت الحمراء المتبقية التي لها طول موجي اقل من 1400 نانومتر (IR-A) كما هو موضح في الشكل 2. الامر الأكثر أهمية هو التأثير الحراري على عدسة العين والشبكية.

عرفت حالة اظلام عدسة العين (Cataracts) المرتبط بالتعرض للاشعة تحت الحمراء منذ العام 1739، ومنذ ذلك الحين ازداد الاهتمام بهذه المشكلة. مهنة نفخ الزجاج والعمل في معامل المعادن صناعة السلاسل الحديدية وصهر القصدير تعتبر من الاعمال التي يتعرض فيها المهنين لمستويات تعرض عالية من الاشعة تحت الحمراء. كما كان الاهتمام كبيرا في حالات حدوث حروق في شبكية العين نتيجة التعرض لمصادر صناعية مثل مصابيح الزينون واشعة الليزر تحت الحمراء وأجهزة اللحام بالغازات الخاملة. كما ان التحديق المتعمد في الشمس قد تسبب في حدوث اعتلال الشبكية الشمسي solar retinopathy وسجلت او حالة في العام 1959 بواسطة كلا من Agarwal وMalik. الإصابة بالعمى الناتج عن كسوف الشمس Eclipse blindness لوحظ في العام 1966 بواسطة كلا من Penner وMcNair وهي ما سوف نناقشه بالتفصيل في مقال منفصل.

أجريت حديثا العديد من الدراسات على مستويات الطاقة الحرجة للأشعة تحت الحمراء ومرات التعرض التي تسبب ضرر للعين، وكل هذه التجارب والدراسات أجريت على الحيوانات بالاخص عين القرود. وقد وثقت مستويات التعرض واثارها الا ان العواقب والاضرار لاتزال غير مفهومة بشكل كامل.

تعتبر طاقة فوتون الاشعة تحت الحمراء منخفض نسبيا حيث انها اقل بكثير من طاقة فوتون الاشعة المرئية وحتى طاقة فوتون الاشعة فوق البنفسجية. وأجزاء العين الأكثر تأثرا هي القرنية (cornea) والخلط المائي (aqueous humour) حيث تعمل الاشعة تحت الحمراء على زيادة درجة حرارة العين الداخلية. تمتص عدسة العين جزء بسيط من الاشعة تحت الحمراء وبالتالي فان الضرر الذي قد يصيب عدسة العين اما ان يكون ناتج عن التعرض لمستوى عالي من الاشعة تحت الحمراء او التعرض لجرعات صغيرة ولكن متكررة. مع ان الاشعة تحت الحمراء ذات الطول الموجي الطويل تصل أيضا إلى الشبكية وقد تتسبب في ضرر دائم للمستقبلات الضوئية الحساسة الا ان الجزء المرئي من طيف اشعة الشمس يسبب الضرر الأكبر من خلال طبيعته الفوتوكيميائية وليس الحرارية.

الشكل 2: امتصاص الاشعة تحت الحمراء بواسطة أجزاء العين المختلفة.

 

الوسط البصري OCULAR MEDIA

النفاذ والامتصاص

تسمح القرنية بمعظم الاشعة تحت الحمراء في المدى من 700 و1300 نانومتر بالنفاذ. اما عند الطول الموجي 1430 و1950 نانومتر تمتلك القرنية حزمة امتصاص عريضة للاشعة تحت الحمراء وبين هاتين القيمتين تسمح القرنية بنفاذها. بعد الطول الموجي 2055 نانومتر يحدث امتصاص. يعمل الخلط المائي aqueous humour على تمرير المائي الاشعة تحت الحمراء ما عدا بعض الاطوال الموجية المحددة فانه يمتصها. اما عدسة العين تمتص جزء كبير بالقرب من الاشعة تحت الحمراء القريبة حتى الطول الموجي 1400 نانومتر، وجزء صغير من المنطقة IR-A بواسطة الخلط المائي والزجاجي، اما الباقي فيصل إلى شبكية العين. الشكل 3 يلخص الأجزاء الممتصة بواسطة كل جزء من العين كدالة في الطول الموجي.

 

جفن العين EYELIDS

تأثير الاشعة تحت الحمراء على جفن العين يتراوح بين الاحمرار المتوسط وحتى الحروق من الدرجة الثالثة وفي النهاية حدوث موت للجلد. الشعور بالالم في جفن العين يحدث فقط عند التعرض لمستويات عالية من الاشعة تحت الحمراء ولفترات زمنية قصيرة او لمستويات منخفضة ولكن على فترة زمنية كبيرة.

 

القرنية Cornea

ينفذ من القرنية ما يقارب من 96% من الاشعة تحت الحمراء في المدى من 700nm إلى 1400nm ونتيجة لذلك فان القيم الحرجة لاحداث ضرر تكون عالية بالاخص في المدى من 750nm إلى 990nm. بسبب طاقة الفوتون المنخفضة لهذه الاشعة فان هذا يعني ان القرنة محمية منها. تأثير الاشعاع على القرنية من هذا المدى من الطول الموجي هو حدوث تخثر بروتيني للطبقة الامامية والوسطى، التي تعرف بـ epithelium و stroma. اما الطبقة الخلفية والتي تعرف باسم endothelium هي الأكثر تعرضا للضرر بسبب التأثير الحراري الذي لا مجال له ان يتسرب او يتبدد لمكان اخر مثلما يحدث في الجزء الامامي من القرنية حيث الهواء والدموع التي تعمل على تبريها. تكمن الخطورة للطبقة الخلفية endothelium هو ان اغشيتها لا تتولد مرة أخرى بعد اصابتها بالضرر على عكس اغشية الطبقة الامامية.

الشكل 3: امتصاص الاشعة تحت الحمراء بواسطة التراكيب البصرية المختلفة للعين كدالة في الطول الموجي

 

جرعة كبيرة من الاشعة تحت الحمراء يتسبب الم حاد في القرنية. في النهائية تفقد القرنية شفافيتها ويحدث عتامة وتقرح كاستجابة القرنية لتأثير الحراري للاشعة تحت الحمراء. وقد قام Pitts واخرون معه في العام 1980 بفحص كفاءة القرنية في حماية عدسة العين من حدوث عتامة لها وقد وجدوا ان القرنية لا تحمي عدسة العين لاشعاع اقل من 3.8 W/cm2 في حين انها توفر بعض الحماية لمستويات اشعاع اكبر من هذه القيمة. توفر القرنية حماية للعدسة لمستويات تعرض اكبر من 4 W/cm2.

 

الخلط المائي Aqueous Humour

الخلط المائي والزجاجي يشبهان الماء في العديد من الجوانب ولا يتأثران كثيرا بالأشعة تحت الحمراء. أي تغير لهذه التراكيب يكون بسبب ضرر أصاب القرنية او عدسة العين او شبكية العين.

 

القدحية Iris

تمتص قدحية عين الانسان من 53% إلى 98% من الاشعة تحت الحمراء في المدى من 750nm إلى 90nm، لكن بدرجات متفاوتة للاخضباب العين حسب مقدار الامتصاص. تعتبر قدحية العين حساسة للاشعة تحت الحمراء وقد يحدث تورم وموت للخلايا وانقباض للقدحية. عند طول موجي حول 900nm يحدث توهج مائي بسبب تسرب بروتين من اوعية القدحية في الحجيرة الداخلية بسبب حدوث التهاب لها عند تعرضها للاشعة تحت الحمراء. لقد وجد Pitts واخرون في العام 1980 ان الحد الحرج لاصابة القدحية هو نفس الشيء للقرنية. وتسرب البروتينات في الخلط المائي يتسبب في حدوث توهج مائي.

 

العدسة Lens

عرفت العتامة من زمن بعيد بارتباطها بانواع محددة من الوظائف والمهن التي تشتمل على التعرض لفترات طويلة للاشعة تحت الحمراء. لقد قام العالم الألماني Meyerhofer في العام 1886 كاول من اجرى دراسة على عمال الزجاج وتعرف على التعتيم الخلفي للعدسة كبداية لمراحل تطور التعرض للاشعة تحت الحمراء والاصابة بالعتامة.

العدسة البلورية تنفذ معظم الاطوال الموجية حتى 1400nm ولكن عند اطوال موجية محددة يحدث امتصاص عند الخلط المائي وعندما تصل الاشعة تحت الحمراء الخلط الزجاجي فان اطوال موجية بين 980nm و1200nm تمتص، ولكن هناك جزء بسيط من الاشعة تحت الحمراء تنفذ بعد الطول الموجي 1400nm.

الاشعة تحت الحمراء القريبة التي تمر من خلال بؤبؤ العين pupil تمتص بقوة بواسطة عند اطوال موجية اعلى من 900nm، في حين لا تصل أي من الاشعة تحت الحمراء فوق 1400nm إلى الشبكية.

 

الجدول 1 ملخص الضرر الحادث للاغشية البصرية عند التعرض للاشعة تحت الحمراء.

 

العضو البصري                           الضرر الحادث

القرنية                                       فقد الشفافية والعتامة والتقشر

الخلط المائي                               التهاب

القدحية                                     تورم وموت خلايا وانقباض والتهاب

العدسة                                      عتامة امامية وبروز للعروق الدموية

الخلط الزجاجي                            ضبابي

الشبكية                                     تورم نسيجي وحرق وبهتان لوني.

 

شبكية ومشيمية العين Retina and Choroid

أي اشعة تحت حمراء تمر عبر الوسط البصري إلى الشبكية فانها تمتص بواسطة نسيج ظاهري صبغي للشبكية يعرف باسم epithelium. تحدث الإصابة في الطبقات العصبية من خلال رفع درجة حرارة كلا من الشبكية والمشيمية تحت تأثير امتصاص الاشعة تحت الحمراء، وهذا يتسبب في احداث تغيرات في طبيعة الانزيمات، بصفة عامة عند درجات حرارة اعلى من 10 درجات مئوية من درجة حرارة الانسان العادية سوف ينتج عنها ضرر حراري دائم. عوامل فيزيائية عديدة تلعب دورا في احداث الضرر الدائم مثل حجم البؤبؤ والجودة البصرية لصورة الاشعة تحت الحمراء على الشبكية ومدة التعرض وحجم وموقع التعرض على الشبكية ونوع التوزيع الطيفي للمصدر ومعدل وصول الطاقة للعين. من الواضح ان العامل الأهم هو زمن التعرض. كلما كان زمن التعرض أطول كلما دخلت طاقة اشعاعية اعلى وتسبب في ضرر للشبكية اكبر.

التأثير الحراري على نسيج الشبكية الظاهري الصبغي epithelium يمكن ان يكون بسبب التعرض للاشعة تحت الحمراء لفترات زمنية قصيرة جدا قد تصل إلى بعضة ميكروثانية. التعرض لاشعة ليزر تحت الحمراء لفترات زمنية قصيرة جدا قد تصل إلى بيكوثانية فانها تتسبب في أنواع مختلفة من الاضرار، بسبب الأمواج الصدمية والصوتية التي تؤثر على طبقة الميلانين الصبغية.

 

العديد من الدراسات التي أجريت على هذا الموضوع توصلت الى قيم تعرض حرجة لشبكية عين الانسان. بالإضافة إلى العوامل الفزيائية الأخرى مثل زمن التعرض ومستويات الاشعاع الا ان الاختلافات بين عين وأخرى من ناحية المادة الصبغية للشبكية والتي بدون شك لها تأثير على درجة الضرر الحادث بسبب الاشعاع تحت الأحمر.

بينت الدراسات ان الطول الموجي الأطول للاشعة تحت الحمراء تتطلب مستويات اشعاع عالية عند القرنية لاحداث حروق في الشبكية. وقد وجد العلماء في تجاربهم على القرود في العام 1979 ان الضرر يحدث للعين اذا كان حجم الصورة تحت الحمراء المتكونة على الشبكية بحجم 159µm (وهذا هو حجم صورة الشمس على الشبكية عند التحديق في الشمس).

 

الخلاصة

من الجدير ان نهتم كثيرا بالطرق التي تحمي اعيننا من الاشعة تحت الحمراء اما من خلال ارتداء النظارات الشمسية التي تحتوي على طلاء معدني عاكس ومواد تمنع مرور الاشعة تحت الحمراء إلى العين. تعتبر المعادن مثل الألومنيوم والحديد والنيكل والكروميوم من المواد العاكسة جدا للاشعة تحت الحمراء. الا ان استخدام طلاء معدني عاكس للاشعة تحت الحمراء على النظارات يجعلها عرضة للخدش والتأكل وعدم الشعور بالراحة عند ارتدائها، حديثا تم وضع طبقة ثانوية للحماية للتغلب على مشكلة الخدش او بوضع الطبقة المعدنية العاكسة بين طبقتي النظارة وتصمم الطبقة المقابلة للعين مباشرة من مواد تمتص الاشعة فوق البنفسجية الضارة للعين.

في النهاية أتمنى ان أكون قد قدمت بعض المعلومات العلمية الفيزيائية لتأثير الاشعة تحت الحمراء على الأجزاء المختلفة من العين لما لها من ضرر بالغ وخصوصا عند حدوث ظاهرة الكسوف الكلي للشمس حيث يستطيع الشخص منا التحديق في الشمس في وضح النهار لان ضوئها المرئي قد حجب الا ان اشعاعها تحت الأحمر لا زال يصل إلى العين وقد تصاب العين بضرر بدون ان ندري وان شاء الله سنخصص مقال اخر لتأثير الاشعة فوق البنفسجية على العين حمى الله عيوننا من كل مكروه.

 

تعليقات

تعليقات