تصوير الذرة من الداخل لأول مرة

الاستاذ محمد محروس عريف

الاستاذ محمد محروس عريف

نجح فريق من الباحثين في تصوير التركيب الداخلي لذرة هيدروجين مثارة وذلك لأول مرة، اعتمدت طريقة التصوير على تقنية جديدة مطورة للميكروسكوب الكمي quantum microscope تستخدم تقنية التأين الضوئي المجهري Photoinoization Microscopy  والتي تم اقتراحها منذ أكثر من ثلاثين عامًا، تعتمد تلك التقنية على إحداث تأين لبعض الذرات على المستوى المجهري يصل إلى حدود تأين ذرة واحدة فقط، وبفضل اختراع الميكروسكوبات الكمية المطورة أصبح بالإمكان تحقيق تلك التقنية بشكل تجريبي وأصبحت أداة لاكتشاف خبايا ميكانيكا الكم.

اشترك في هذه التجارب كل من انيتا ستودولنا Aneta Stodolna من معهد FOM للفيزياء الذرية والجزيئية بهولندا، ومارك فراكنج Marc Vrakking من معهد ماكس بورون في برلين بألمانيا، بالإضافة إلى زملاء أخريين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

mag-16-9

إن الميكانيكا الكمية تخبرنا بأنه لا يمكن تعيين موضع أي جسيم بكل دقة، لذا اعتمدت طرق وصف أي نظام كمي على المعادلات الموجية لهذا النظام المعروفة بمعادلة شرودنجر Schrodingr equation ولكن كانت المصادفة التي وقفت كثيرًا أمام ملاحظة وتصوير الأنظمة الكمية هي أن مجرد فقط ملاحظة أي نظام كمي يؤدي على الفور إلى انهيار الدالة الموجية له wavefunction قبل أن تتم عملية الملاحظة بشكل كامل ويتصرف حينها الجسيم على أنه جسيم مادي فقط، لذا فإن عملية مراقبة الدالة الموجية لأي نظام كمي ليست بالمهمة السهلة.

التجارب السابقة لم تنجح في تصوير الذرة بسبب أن إثارة ذرة واحدة كان أمر في غاية الصعوبة، لكن هذه التجارب اعتمدت علي إثارة ذرات الهيدروجين لحالات رايدبرج Rydberg wavepacket باستخدام نبضات ليزر فائق السرعة، وفي تلك الحالات توصف مدارات الإلكترون حول النواة من خلال تراكبات مترابطة لحالات ميكانيكية كمية موقوفة quantum mechanical stationary states، وبالتالي فإن الدالة الموجية لتلك الحالة عبارة عن موجة متوقفة عند أنماط عقدية nodal pattern ( العقدة node هي المكان الذي يكون فيه احتمالية تواجد الإلكترون يساوي صفر ) وعدد العقد يشير إلى الأعداد الكمية لحالة رايدبرج.

في تلك التجارب وضعت ذرة هيدروجين في مجال كهربي ستاتيكي E وتمت إثارتها بواسطة نبضات ليزرية مما أدى إلى هروب الإلكترون المتأين والمثار من الذرة متخذًا مسارًا خاصًا نحو الكاشف ( يطلق عليه كاشف لوح القناة الدقيقة المزدوجة a dual microchannel plate ) والذي يكون عموديًا علي المجال الكهربي نفسه، والمسافة بين الكاشف ومكان حدوث التأين أكثر من نصف متر قليلًا، وتلك المسافة يتحرك خلالها الإلكترون فعليًا، وبالنظر إلي وجود العديد من المسارات فإن أنماط التداخل يمكن ملاحظتها

باستخدام عدسة تكبير الكتروستاتيكية تكبر بمعامل تكبير 20 ألف، والتي أظهرت صورًا في أبعاد الملليمتر بحيث يمكن رؤيتها بالعين المجردة بل وتصويرها بكاميرات التصوير العادية، وبالتالي فإن ما نراه على الكاشف هو تركيب الذرة الداخلي فعليًا، وقد لاحظ الفريق البحثي حدوث عدة مئات الآلاف من حالات التأين تلك للحصول علي تلك النتائج.

mag-16-10

لقد اختار الفريق البحثي ذرة الهيدروجين نظرًا لخصائصها الفريدة فهي أبسط الذرات حيث تمتلك إلكترون واحد يتفاعل تبادليًا مع النواة تفاعل كولومي بحت ولها بنية وتركيب مميز لدى وضعها في مجال كهربي ثابت، وقد أشار مارك أنه بفضل حالة الإلكترون الوحيد لذرة الهيدروجين فإنه يمكن للدالة الموجية لذرة الهيدروجين أن تكتب كناتج لدالتين موجيتين تصفا كيفية حدوث التغيرات كدالة في بعدين يطلق عليها الإحداثيات المكافئة parabolic coordinates وهى الهاميلتون لذرة الهيدروجين Hamiltonian في مجال كهربي خارجي والذي يصف انقسام مستويات الطاقة في ذرة الهيدروجين والمعروف باسم ( أثر شتارك Stark effect )

الصورة الأولى في هذا المقال توضح النتيجة الرئيسية للفريق البحثي، حيث صورت الكاميرا الحالات الكمية المثارة لذرة الهيدروجين حيث تبدو تلك الحلقات كمستويات الطاقة حول النواة، والحقيقة أن بعض التجارب قد أجريت بواسطة الإثارة الرنينية واللارنينية resonant and non-resonant ionization وتوضح الصور التالية الفرق بين نتائج كل طريقة، فالصورتان A و C مأخوذة عن الإثارة اللارنينية، الأولى تعطي عقدة واحدة، والثانية تعطي عقدتان، بينما الصورة التي في المركز B تم التقاطها بعدما تم ضبط الليزر لإحداث عقدتين رنينيتن للدالة الموجية، وتظهر تلك الصورة أن الحلقة الأخيرة اتسعت بشكل كبير مقارنة بالصورتين الأخرتين وقد فسره مارك بنوع خاص من التأثير النفقي tunnelling effect.

mag-16-11

وقد أوضح مارك فراكنج أن الهدف النهائي من تلك التجارب هو دراسة وتصوير ذرة الهيدروجين، وربما تبحث التجارب المقبلة في كيفية تفاعل ذرة الهيدروجين في المجال المغناطيسي، ودراسة معادلات الحركة للإلكترون بالنسبة للزمن، والتحقق من التداخلات المجهرية الهلوجرافية holographic  (ثلاثية الأبعاد) وربما تصوير الجزيئات بتقنية التأين الضوئي المجهري.

في الوقت الحالي يعكف الباحثين على دراسة وتحليل ذرة الهيليوم باستخدام التأين الضوئي المجهري، وقد أوضح مارك أن وجود اثنين من الالكترونات في ذرة الهيليوم أمدهم بالعديد من المعلومات الهامة، فذرة الهليوم تتشابه إلى حد كبير في بعض الجوانب مع الهيدروجين، في الوقت الذي تختلف عنها في بعض الاختلافات الرئيسية الأخرى، فعلى الرغم من أن أحد الإلكترونين مرتبط بقوة مع النواة كان الآخر ضعيف الترابط ويمكن إثارته بشكل كبير، وقد أضاف أيضًا أنه يمكن أن نرى أن الالكترونات تشعر بوجود الكترونات أخرى في الذرة، وأنهم يمكن أن يتحدثوا إلى بعضهم البعض مفسرًا ذلك بأنه يسمح للفريق برؤية الترابط بين الالكترونات على حد تعبيره.

المصدر: http://physicsworld.com/cws/article/news/2013/may/23/quantum-microscope-peers-into-the-hydrogen-atom

بقلم: أ./ محمد محروس عريف

تعليقات

تعليقات