جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ Magnetoecephalography

mag-15-12بقلم: الاستاذة وفاء زهير سعيد المسارعي يقوم الدماغ بجمع المعلومات وتحليلها والسيطرة على معظم أعضاء جسم الإنسان، ويعد كذلك منبعا لإنتاج معلومات جديدة؛ فهو يشكل الجزء الرئيسي من الجهاز العصبي ويتضمن عشرات الملیارات من الخلایا العصبیة (Neurons) والتي يكون العصبون الواحد فیها مرتبطا بمجموعة کبیرة (الآلاف) من الألياف العصبية المجاورة له عن طريق الوصلات العصبية (Synapses) والتي تقوم بنقل المعلومات (الإشارات العصبية) من الدماغ إلى أعضاء وأنسجة الجسم المختلفة والعكس. إن الشبكات التي تكوّنها الخلايا العصبية باتصالها معاً تشبه إلى حد ما الدوائر الكهربائية التي يسري فيها التيار الكهربائي؛ لذلك فإن آلية إرسال واستقبال النبضات الكهربائية بين الخلايا العصبية هي نفس آلية انتقال الشحنات الكهربائية داخل الأسلاك، حيث إن هذه الشحنات الكهربائية الصغيرة التي تصدرها خلايا الدماغ للتواصل فيما بينها سواءا لإصدار أوامر أو غير ذلك من خلال عمليات معقدة تعد من أعظم معجزات النفس الانسانية. (ملاحظة أظن أن الأصح قوله هو: الجسم البشري وليس النفس البشرية وهذه الأخيرة تعبر عن المكون غير المادي من الإنسان).

سمعنا كثيرا عن جهاز تخطيط كهربية الدماغ (EEG) Electroencephalography، حيث تستخدم الخلايا في الدماغ مستويات منخفضة من الطاقة الكهربائية للتواصل مع بعضها البعض، ويقيس جهاز تخطيط كهربية الدماغ هذه الطاقة الكهربائية على مر الزمن، و يظهر النشاط الكهربائي للدماغ كخطوط متموجة على شاشة الكمبيوتر، ويقرأ الأطباء الخطوط المتموجة لمعرفة صحة عمل الدماغ.

لكن لم نسمع كثيرا عن جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ MEG)) Magnetoecephalography والذي طوره العالمان ديفيد كون (David Chone) وزيمرمان (Jim Zimmerman) عام 1968 والذي تبنت شركة Elekta تصميمه. وبالرغم من أن القليل منا سمع عن الجهاز إلا أنه أصبح معروفا الآن أكثر من ذي قبل وازداد نطاق استخدامه في مجال الأبحاث والدراسات العلمية؛ ويعد جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ تقنية آمنة لتصوير الدماغ حيث يرصد المجالات المغناطيسية الناتجة عن الإشارات الكهربائية في الدماغ، وهي تقنية آمنة كونها لا تستخدم الإشعاع. والآن لنتعرف على الجهاز وآلية عمله

المبدأ الفيزيائي لعمل الجهاز:

يعتمد الجهاز في مبدأ عمله على المواد فائقة الموصلية، التي تعد الأساس لكثير من الأجهزة الإلكترونية والطبية الحديثة، ويعتمد عملها على مبدأين أساسيين وهما:

أ. تأثير جوزيفسن (Josephson effect)

عندما تتجاوز الحدود

عندما تفصل طبقة رقيقة جداً من مادة عازلة بين طبقتين من مادة فائقة الموصلية، فإن التيار بينهما يمر دون توقف. توقع العالم جوزيفسن (Brain Josephson) هذا التأثير عام 1962 عندما كان لديه اثنان من الموصلات الفائقة متصلين برابطة ضعيفة، وسميت هذه الوصلة على اسمه: وصلة جوزيفسن. يتم تحديد التيار الكهربائي عبر الوصلة بواسطة فرق الطور الكمي بين الموصلين الفائقين الاثنين، ووصلة جوزيفسن تتأثر بشكل كبير جدا بقيمة المجال المغناطيسي، لذلك كانت الأساس في بناء جهاز التداخل الكمي فائق الموصلية (superconducting quantum interference device (SQUID: والذي يعد الوسيلة الأكثر دقة لقياس المجال المغناطيسي.

Screen Shot 2015-09-11 at 11.15.51 PM

ب. تكميم التدفق (Flux Quantization)

mag-15-13عندما تتسلق المغناطيسية السلم

عندما يكون لدينا جسم من مادة فائقة الموصلية ويوجد فيه فتحة، فإن التغير في الطور يجب أن يتبع قانونا معينا. عندما نصل إلى لفة كاملة في الحلقة، فإن الطور يجب أن يعود لنفس القيمة الأولى، لأن قيمة الطور لا يمكن أن تكون مجزّأة أوغير متصلة، كما أن بعض التغيرات في الطور تكون ممنوعة. وعندما يطبق مجال مغناطيسي على حلقة، فإن هذا التدفق في المجال يغير في الطور عبر الحلقة حتى يعود الطور لنفس القيمة الابتدائية بعد لفة كاملة، مما يعني أن قيما معينة فقط للتدفق في المجال المغناطيسي مسموح بها خلال الحلقة، وهذا يعني أن التدفق مكمم.

التدفق يأخذ قيمة ثابتة مضروبة في عدد صحيح وهذه القيمة تساوي 2.07* 10-15 ويبر، ويمكن قياس هذه القيمة عمليا.

الأساس الفسيولوجي لعمل الجهاز:

يقيس جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ الإشارات المختلفة الناتجة عن الدماغ في حالات مختلفة أثناء النوم واليقظة، كما يعطي معلومات عن نشاط الخلايا في القشرة الدماغية، وبدقة زمانية عالية.

العصبونات في الجسم تنتج إشارات كهربائية تتغير مع الوقت عند تحفيزها، وتنتج تيارات أيونية على سطح الغشاء الخلوي، والتحفيز العصبي نوعان: ما قبل الشق التشابكي (جهد الفعل)، وهذا لا يهم كثيرا في الإشارات التي يقيسها الجهاز، وما بعد الشق التشابكي، وهو ناتج عن السيالات العصبية، وهو الذي يعطي الإشارات التي يرصدها جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ، ويرصد الجهاز الإشارات العمودية على الجمجمة فقط ويقيسها.

تركيب الجهاز:

  1. أجهزة تداخل كمي فائقة الموصلية (SQUIDs):

وهي أجهزة إلكترونية تستخدم حلقة من مادة فائقة الموصلية مع وصلة رقيقة من مادة عازلة، وتعد أجهزة التداخل الكمي فائق الموصلية أكثر نظام فعال في قياس المجال المغناطيسي بدقة عالية جدا، وهي قادرة على قياس المجالات المغناطيسية الصغيرة جدا الناشئة عن الدماغ. وأول جهاز تداخل كمي فائق الموصلية صنعه العالم زيمرمان (James Zimmerman) عام 1970.

mag-15-14

تركيب جهاز التداخل الكمي فائق الموصلية SQUID

  1. ملفات الاستشعار (Sensor coils):

لزيادة حساسية أجهزة التداخل الكمي للمجال المغناطيسي، فإنها تُصنع صغيرة جدا، ويكون قطرها الخارجي أقل من 1ملم، وبسبب المساحة الصغيرة لهذه الأجهزة، فإن موصليتها للمجال المغناطيسي تكون ضعيفة. وفي جهاز التخطيط المغناطيسي، لا تستخدم أجهزة التداخل الكمي كما هي، بل يجب تعزيز موصليتها للمجال المغناطيسي عن طريق ملفات تعمل على تجميع المجال المغناطيسي أكثر من المناطق البعيدة، واستخدام هذه الملفات يمكننا من قياس المجال المغناطيسي دون تغير في هندسة وتركيب أجهزة التداخل الكمي الفائقة الموصلية. وتصنع هذه الملفات من مادة فائقة الموصلية وهي تكون قريبة جداً من الدماغ، كما تكون متتالية ومتصلة مع بعضها.

  1. ديوار(Dewar) :

المسافة بين ملفات الاستشعار وفروة الرأس يجب أن تكون صغيرة جداً لزيادة التقاط الإشارات المغناطيسية، وتصنع هذه الملفات من مادة فائقة الموصلية وموجودة في مادة درجة حرارتها منخفضة جداً تسمى الديوار، بينما الدماغ يكون بدرجة حرارة الجسم العادية، ويكون الفرق في درجات الحرارة بينهما تقريبا 300 كلفن، وعلى مسافة قريبة جدا 2-3 سم. يتكون الديوار من طبقتين بينهما فراغ، ليمنع الحرارة أن تصل من الخارج إلى الداخل، ويوجد في الداخل هيليوم درجة حرارته تساوي 4.2 كلفن. يصنع الديوار من خليط زجاج وألياف، والتي تنفذ المجال المغناطيسي، وتغطى الطبقة الداخلية بمادة حتى تمتص ذرات الهليوم التي تنتشر ببطء إلى الفراغ عبر الزجاج. وبالرغم من العزل الحراري الكبير، إلّا أن هناك تسربا للحرارة يعمل على تبخر ذرات الهيليوم ببطء إلى داخل غرفة الجهاز، ويمكن تجميع هذا الغاز أو جعله ينطلق عبر الهواء الخارجي خارج المبنى.

  1. الغطاء الخارجي :(Gatry)

وهو النظام الميكانيكي الذي يدعم الديوار، ويسمح بتعديل وتقييم زاوية وارتفاع الديوار، حتى يأخذ قياسات عديدة لأوضاع مختلفة مثل الجلوس أو الاستلقاء، ويمكن تحريكه لأعلى وللأسفل ويصنع من مادة صلبة.

تحضير المريض:

قبل البدء بعملية تسجيل الإشارات عبر جهاز التخطيط المغناطيسي، يجب مرافقة المريض إلى غرفة الجهاز وعمل بعض الإجرءات الضرورية، والتي تتضمن الآتي:

  1. يجب توضيح وتفسير كل الإجراءات العملية للفحص للمريض قبل البدء به، ويجب الموافقة والتوقيع عليها.
  2. يجب نزع المواد التي تحوي معادن مثل القلادة، الساعة … أو أي شيء آخر يتأثر بالمجال المغناطيسي.
  3. بعض التقنيات والأجهزة يتم استخدامها خلال الفحص، مثل جهاز التخطيط الكهربي للدماغ EEG، جهاز تخطيط القلب ECG، وجهاز فحص حركة العين والرموش EOG إن لزم الأمر.
  4. يتم استخدام ملفات توضع على فروة الرأس وليس على الشعر، حتى تصل الدماغ بملفات الاستشعار.

القياسات:

بعد تجهيز المريض وتحضيره في غرفة الجهاز، يتم عمل الإجراءات والقياسات المطلوبة، والتي تتضمن:

  1. جلوس المريض بشكل صحيح، ووصل الأقطاب والملفات على الرأس بشكل مناسب وصحيح للفحص، ويمكن للمريض استخدام الأزرار أو الميكرفون إن لزم الأمر.
  2. إعطاء تعليمات للمريض بالخطوات الصحيحة للفحص وإخباره بالامتناع عن الحركة أثناء الفحص.
  3. فحص أي خلل في الجهاز والتأكد من وضعية الجهاز بالشكل الصحيح.
  4. التأكد من وضع رأس المريض بالنسبة للمجسات بشكل سليم، ويجب سؤال المريض ليأخذ الوضع المريح في الجلوس أثناء الفحص.
  5. يتم جمع المعلومات بعد ذلك، ومن خلال الرؤية البسيطة يمكن التأكد من وجود خلل أم لا في الفحص.
  6. تركيز المريض على الفحص لمدة 10-15 دقيقة، ويمكن إعطاء المريض فترة راحة يمكنه خلالها الحركة بحرية، ويتم بعدها استكمال الفحص ثانيةً.
  7. يتم بعد تجميع المعلومات المطلوبة للفحص إنهاء تسجيل الإشارات والقياسات، ويمكن عندها مرافقة المريض إلى خارج غرفة الفحص ويتم إعادة الأجزاء والأجهزة المستخدمة أثناء الفحص إلى أماكنها بعد تنظيفها.

يعد جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ أداة تشخيصية فريدة وفعالة لتقييم نشاط الدماغ ووظيفته في العديد من العمليات الجراحية، ومن أهم مميزات هذا الجهاز الدقة الزمانية والمكانية العالية، والأمان وسهولة الاستخدام، ويستخدم في مجال الدراسات والأبحاث العلمية ودراسة علم الأعصاب. ومن خلال تطوير جهاز التخطيط المغناطيسي للدماغ، يمكن الآن قياس نشاط الدماغ في أجزاء من الثانية عن طريق 300 مجس توزع على الرأس تقيس النشاط الدماغي بدقة عالية جدا، ويتم تحليل البيانات القادمة من الدماغ عن طريق الجهاز لمعرفة مصدر الإشارات.

بقلم: الاستاذة وفاء زهير سعيد المسارعي

بكالوريوس فيزياء، جامعة الأزهر -غزة.

تعليقات

تعليقات