متي يستفيد العالم العربي من أشعة السينكلترون

الدكتور عبدالله أمين محمود شلتوت
قسم الفيزياء – كلية العلوم – جامعة الطائف- السعودية
قسم الطيف والموجات- المركز القومي للبحوث بالدقي القاهرة مصر

ما هي أشعة السينكلترون (Synchrotron Radiation)

abula-shaltoot00

الدكتور عبدالله أمين محمود شلتوت

أشعة السينكلترون هي نوع من الأشعة الكهرومغناطيسية تظهر مصاحبه للجسيمات المشحونة المعجلة مثل الإلكترونات. ويتم تعجيل الجسيمات المشحونة في مفاعلات خاصة يتم إنشائها لغرض وحيد وهو إنتاج أشعة السينكلترون. وتتميز أشعة السينكلترون بشدة إضاءه تصل الي 10 بلايين مرة من شدة ضوء الشمس ويمكن إنتاجها عند طاقات مختلفة بأطوال موجية مختلفة وترددات مختلفة في مناطق الطيف الكهرومغناطيسي بدءا من منطقة الأشعة تحت الحمراء وحتى الأشعة السينية عالية الطاقة.

فكرة العمل

يتم تعجيل الجسيمات المشحونة والتي تتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء في خطوط مجال مغناطيسي منتظم وفي مسار دائري فتنبعث أشعة السينكلترون من تلك الجسيمات المعجلة عند زواريا مخروطية صغيرة جدا. وظهرت أشعة السينكلترون لأول مرة عام 1947 ميلادي في أحد معامل الأبحاث بنيويورك حتى أصبحت الآن من أهم أدوات البحث العلمي في التشخيص والتعرف الدقيق على المواد المختلفة.

وإذا عدنا بالذاكرة للخلف فسنجد أن فكرة توليد أشعة السينكلترون لم تكن بجديدة فقد تنبأ بها العالم لارمور عام 1897 ميلادية حيث وضع الأسس والمعادلات الرياضية التي تتنبأ بإشعاعات تخرج من الأجسام المعجلة. وفي عام 1917 استطاع العالم سكت من توضيح طبيعة وترددات أشعة السينكلترون. وأثناء العمل في معجلات البيتاترون عند معدلات طاقة تصل الي 100 مليون إلكترون فولت فقد وجد ان هناك فقدا ملحوظا في طاقة الإلكترونات وهو الأمر الذي يقلل من كفاءة عمل البيتاترون ولم يكن هناك حتى تلك اللحظة الوعي الكامل بأهمية أشعة السينكلترون حتى اعتبرها الكثير من العلماء كظاهرة يجب التخلص منها أو معالجتها. ومع تطور النظريات الفيزيائية فقد تم وضع الأسس النظرية لأشعة السينكلترون. ومنذ عام 1964 ميلادي بدأ العالم في إنشاء مفاعلات مخصصة لإنتاج أشعة السينكلترون في مناطق الطيف الكهرومغناطيسي المختلفة منها وبدأ ظهور الجيل الأول من معجلات أشعة السينكلترون في أوربا واليابان. ونظرا للطاقات العالية التي يمكن الاستفادة منها من أشعة السينكلترون فقد بدأ العلماء في بناء حلقات تخزينية كبيرة حول مفاعل السينكلترون والتي تعتبر الآن من أهم مكونات معجلات توليد أشعة السينكلترون. ومع التطورات المتسارعة لإنتاج أشعة السينكلترون فقد تم تطوير الحلقات التخزينية وما زل هناك تطور لها حتى الآن. ومع تطور عمل مغناطيسات الانحراف المستخدمة في تعجيل الجسيمات المشحونة بدأ ظهور الجيل الثاني من معجلات أشعة السينكلترون بتطور مذهل في بناء وتصميم مولدات المجال المغناطيسي المستخدم في عملية التعجيل.

المكونات الأساسية لمعجلات إنتاج أشعة السينكلترون

يتكون معجل أشعة السينكلترون من مكونات أساسية وهي:

  1. المسرع الأساسي وهو المسئول عن التفاعل النووي المنتج منه الجسيمات المشحونة المراد تعجيلها.
  2. وحدة المؤازرة والدفع ومهمتها القيام بالدفع بالجسيمات المشحونة للدوران في المجال المغناطيسي.
  3. حلقة التخزين ومهمتها تخزين أشعة السينكلترون ودفعها لمواقع إجراء التجارب.
  4. مغناطيسات الانحراف ومهمتها العمل على إحراف الجسيمات المشحونة وتوليد أشعة السينكلترون المطلوبة.
  5. أطراف التجارب وعادة ما يحيط بمفاعل أشعة السينكترون العشرات من الأطراف والتي تسمح للعلماء بأخذ شعاع من أشعة السيكلترون وإجراء تجاربهم الخاصة علية.

الشكل رقم 1 يوضح رسم مبسط لشكل مفاعل السينكلترون. ولعل من المفيد وضع تصور مقارنة بين كمية الضوء الصادر عن مصباح عادي وكمية الضوء الموجة والمركز لمساحة معينة فهو يمثل تقارب في المقارنة بين الضوء العادي وضوء أشعة السينكلترون.

abula shaltoot1

شكل 1 رسم تخطيطي لمفاعل أشعة السينكلترون

مجالات استخدام أشعة السينكلترون

لم تعد استخدام أشعة السينكلترون قاصرة فقط عي الفيزيائيين او الكيميائيين بل امتدت لتشمل كل جوانب العلوم الطبيعية بلا استثناء. فأصبح من الممكن التعرف الدقيق على التركيب البروتيني للخلايا المختلفة والتعرف على التركيب الدقيق للمركبات البيولوجية المختلفة. كذلك أصبحت هناك مدارس كبيرة حول العالم للاستفادة من أشعة السينكلترون في مناطق الطيف الكهرومغناطيسي المختلفة. ونظرا للخصائص المميزة لأشعة السنكلترون فقلد أصبح حتما إعادة دراسة الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمواد المختلفة باستخدام أشعة السينكلترون مثل مجال حيود الأشعة السينية ومجال الأشعة تحت الحمراء ومجال الأشعة السينية. وحديثا بزغ نجم علم جديد وأشعة جديدة يمكن الحصول عليها بالترافق مع أشعة السنكلترون ألا وهي أشعة ليزر الإلكترون الحر.

كيف نبدأ وأين يمكن استخدام هذه الأشعة؟

تنتشر معجلات إنتاج أشعة السينكلترون حول العالم وتتركز معظمها في أوروبا وأمريكا ودول شرق أسيا (اليابان والصين والهند وتايوان) وتفتقر المنطقة العربية لمثل هذه التقنية حتى الآن. شكل 2 يوضح خريطة العالم موضحا بها أماكن تواجد هذه التقنية. وبالرغم من ذلك فإنه من الممكن استخدام هذه التقنية بأقل التكاليف المالية وبنتائج علمية حديثة أفضل بكثير من الأجهزة المعملية العادية. يمكن لأي شخص أو أي عالم من أي دولة التقدم بمقترح لأحد معجلات إنتاج أشعة السينكلترون حول العالم وذلك لحجز شعاع السينكلترون لمدة معينة تتراوح من يوم حتى شهر. ويوضح المتقدم مبررات استخدام هذه التقنية. وعندما يتم الموافقة على المقترح يتم التوافق على تحديد الوقت بدقة مع إدارة المعجل. بعدها يمكنك الذهاب لإجراء تجاربك العلمية وكل ما عليك هو حمل العينات الخاصة بك فقط. يتم توفير الدعم الفني الكامل للعلماء الزائرين وخاصة مستخدمي هذه التقنية حديثا. قبل استخدام هذه التقنية يخضع الزائرون لاختبارات الأمان النووي والطوارئ ولا بد من اجتيازها واستيعابها قبل البدا في العمل وهذه الاختبارات يمكن للزائرين تخطيها في وقت لا يتعدى ثلاث ساعات.

abula shaltoot2

شكل 2 مصادر معجلات إنتاج أشعة السينكلترون حول العالم

هل من الممكن أن يقتني العرب هذه التقنية؟

تعتبر هذه التقنية مكلفة ماديا بشكل كبير إذ يعمل السينكلترون بشكل دائم على مدي الأربع وعشرون ساعة. ومتوسط مساحة المعجل الواحد لإنتاج أشعة السينكلترون تعادل مساحة خمسة ملاعب كرة قدم رسمية. وعلى الرغم من كل ذلك بدأت دول المنطقة العربية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ببناء أول معجل لإنتاج أشعة السنكلترون بمنطقة الشرق الأوسط بجامعة البلقاء بمنطقة السلط بالأردن. وقد اشترك عدد محدود من اول الشرق الأوسط في هذا المشروع وهذه الدول هي: الأردن ومصر وفلسطين ودولة الاحتلال الإسرائيلي وتركيا وباكستان وإيران. وعلى الدول الأعضاء دفع مساهمه ماليه سنوية لإنهاء واستكمال بناء مفاعل السينكلترون.  وقد ساهم في ذلك بشكل كبير جمهورية ألمانيا الاتحادية والتي تبرعت بأجزاء كبيرة من أحد معجل أشعة السينكلترون بألمانيا لصالح دول المنطقة. كذلك دعمت المشروع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وما زالت تقدم الدعم. ومن المتوقع إفتاح عمل هذا المعجل مع نهاية عام 2016 ميلادي ولو أنني أشك في ذلك نظرا للظروف السياسية التي تمر بها المنطقة العربية. هذا ويتوقف استكمال بناء مفاعل السنكلترون وبناؤه على كمية الأموال والموارد المالية المتدفقة لمثل هذا المشروع الضخم من قبل الدول الأعضاء بالمقام الأول ثم المساعدات الدولية من مفاعلات السينكلترون على مستوي العالم.

للأسف لا يشعر الكثيرون بأهمية المشروع على الرغم من ان الكثير من الدول النامية مثل الهند والصين وتايوان والبرازيل قد انتهت بالفعل من بناء معجلات خاصة بها وأصبحت متاحه للمجتمع العلمي في أنحاء العالم. لذلك لا أتوقع أن ينجح المشروع العربي الحالي الخاص ببناء أول معجل لأشعة السينكلترون والمزمع إنشاؤه بالأردن حيث أنه ما زال هناك شك وريبه تكمن في المسؤولين ببلادنا العربية من حيث أهمية الموضوع علميا واقتصاديا.

abula-shaltoot

صورة لكاتب المقال الدكتور عبدالله أمين محمود شلتوت بمفاعل السينكلترون بمدينة تريستا بإيطاليا خلال فبراير 2015 أثناء قياسات معمليه في محطة ال MCX

تعليقات

تعليقات