هل الازاحة الحمراء للأشعة الكونية تناقض مبدأ حفظ الطاقة؟

هل الازاحة الحمراء للأشعة الكونية تناقض مبدأ حفظ الطاقة؟

م. معز جعفر كمال الدين

الازاحة الزرقاء أو الحمراء هي ظاهرة مهمة جدا في علم الكونيات وهي تعني زيادة أو نقصان سرعة تذبذب موجة الضوء (التردد) بسبب حركة المصدر أو المستقبل أو بسبب تغير المسافة بين المصدر والمستقبل الناتج عن تمدد الكون. وتسمى الازاحة حمراء في حالة نقصان التردد وزرقاء في حالة الزيادة وهي تسمية مجازية تستند الي أن تردد موجة الضوء الأحمر أقل من الأزرق لكن هذه التسمية تشمل كل أنواع تغير ترددات الاشعة حتى وإن كانت غير مرئية. وكثيرا ما تشرح هذا الظاهرة بظاهرة أخرى مشابهة تماما تحدث للموجات الصوتية عندما يتحرك مصدر الصوت أو السامع فإن تردد الصوت يتغير فيكون الصوت أكثر حدة إذا كان المصدر يقترب من السامع وهذا يناظر الازاحة الزرقاء للضوء ويكون الصوت بحدة أقل في حالة تباعد المصدر عن السامع وتستعمل هذه الظاهرة في كشف سرعة واتجاهات السيارات والطائرات من خلال أصواتها تماما كما تستعمل ظاهرة الازاحة للضوء مع ظواهر أخرى لتحديد أبعاد وسرعات النجوم والمجرات، وما يهمنا الآن هو الإزاحة الناتجة عن تمدد الكون وهي إزاحة حمراء.

معروف من خصائص الضوء وجميع الاشعة الكهرومغناطيسية أن طاقة الفوتونات التي تتكون منها الاشعة ترتبط بالتردد بعلاقة تناسب طردي بسيطة:

(التردد)ν . (ثابت بلانك) Һ   = (طاقة الفوتون) Ε

ولهذا فإن الاشعة المنبعثة من مصدر الضوء تصل الى المستقبل بطاقة أقل بسبب الإزاحة الحمراء الناتجة من تباعد المصدر عن المستقبل بسبب تمدد الكون وهذا بدا لكثير من الفيزيائيين مناقضا لمبدأ بقاء الطاقة الذي ينص على أن الطاقة في أي نظام لا تزيد ولا تنقص، فقط يمكن أن تنتقل من موضع لآخر أو تتحول من صورة لأخرى وهو من المبادئ المهمة والأساسية جدا في الفيزياء لأنه يرتكز على أهم قاعدة من قواعد الفيزياء وهي قاعدة التماثل كما أوضحت ذلك الرياضية الألمانية الشهيرة ” نيوثر ” ولهذا تقدم الآن كثير من الآراء لاحتواء هذا التعارض بدون التضحية بمبدأ بقاء الطاقة ذي القيمة النظرية الكبيرة أو نظرية تمدد الكون المدعمة بالبراهين التجريبية الواضحة , و تنحصر هذه الآراء في اتجاهين , الأول هو التشكيك في شمول مبدأ بقاء الطاقة للظواهر الكونية واعتباره صحيحا فقط في النطاق المحلي وهذه من المسائل التي لم يصل فيها الفيزيائيون الى رأى موحد أو حتى رأي سائد حتى الآن لأن مثل هذه الظواهر تطبق فيها معادلة النسبية العامة والتي لا ترتبط  بقانون عام متفق عليه لحفظ الطاقة حتى الان والاتجاه الثاني: لا يتحدث عن صحة المبدأ ولكنه ينفى إمكانية تطبيقه كونيا في المقاييس الكبيرة ويمكن أن نمثل لهذا الاتجاه بمقال كتبته الفيزيائية “تامارا”  في مجلة ” الأمريكي العلمي، يوليو 2010″ حيث تقول في ختام مقالها: ( إن الكون لا يخالف مبدأ بقاء الطاقة لكنه فقط يقع خارج صلاحياته).

لكن بالرجوع الى المشكلة نفسها نجد أن جانبا مهما من هذه الظاهرة لم يلتفت اليه مع أنه هو الذي يمكن أن يحل هذا التناقض بسهولة وهو كمية الطاقة الموجودة بين المصدر والمستقبل والتي تتزايد باستمرار بسبب اتساع المسافة بيننا وبين مصادر الاشعة وهي المجرات بسبب تمدد الكون. إن الطاقة التي تفقد بسبب الازاحة الحمراء هي بالضبط ما يستعمل لملء الفراغ المتمدد بين المصدر والمتلقي.

Picture22

هذه الطاقة السابحة بين المصدر والمتلقي تكون موجودة باستمرار وهي تتزايد مع توسع الكون حتى يتوقف المصدر عن ارسال مزيد من الطاقة وفي هذه الحالة لن يتوقف وصول الاشعة الى المستقبل في نفس اللحظة بل تستمر في السقوط على المستقبل حتى تنفد من الفراغ وحينها فقط يمكن أن نقول إن مجموع الطاقة التي وصلت الى المستقبل يساوي مجموع الطاقة المنبعثة من المصدر في اتجاه المستقبل.

يجب أن أشير هنا أن هذا لن يحل كل مشاكل التطبيق الكوني لمبدأ بقاء الطاقة ولكنه فقط يبين أن ظاهرة الإزاحة الحمراء للأشعة الكونية ليست من هذه المشاكل وأنها منسجمة تماما مع مبدأ بقاء الطاقة.

من الخصائص المعروفة عن تمدد الكون أن معدل تغير المسافة بيننا وبين المجرات يعتمد على بعدها عنا فيزيد هذا المعدل كلما كانت المجرة أبعد ومن النتائج المثيرة لهذا أن معدل التباعد هذا قد يتجاوز سرعة الضوء (هذا لا يعني مخالفة قواعد النسبية الخاصة التي تؤكد أن سرعة الضوء هي السرعة القصوى لأننا لا نتحدث عن حركة الاجسام بالنسبة لبعضها بل عن تمدد الفراغ بينها) وهذا يعني استحالة وصول الأشعة الصادرة من تلك المجرات الينا لأن الطاقة المطوبة حينئذ لملء الزيادة في الفراغ بيننا والمجرة تكون أكثر من الطاقة المنبعثة من المصدر.

تعليقات

تعليقات